الاقتصاد العالمي وموقف المالية العامة ما بعد كورونا

الاقتصاد العالمي وموقف المالية العامة ما بعد كورونا

الاقتصاد العالمي وموقف المالية العامة ما بعد كورونا
د. حيدر حسين آل طعمة

لعبت السياسات المالية دورا محوريا في تلطيف حدة الانكماش الاقتصادي الذي خلفه تفشي فيروس كورونا على مستوى العالم منذ مطلع العام 2020 ولغاية الوقت الراهن. فقد اسهمت برامج الدعم والحماية الاجتماعية الى عكس اتجاه الدورة الاقتصادية وحماية الاقتصاد العالمي من الانزلاق صوب ركود اقتصادي عميق يفاقم من الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها الاغلاق الكبير. وبعد مرور اكثر من عام، ورغم اكتشاف اكثر من لقاح ناجع واستمرار سباق الشركات للتغلب على فيروس كوفيد-19 ، الا ان وتيرة التطعيم تتسم بالتباين الشديد عبر البلدان، مع عدم توافر اللقاحات لعدد كبير منها. لذا، ولأجل الحفاظ على زخم النشاط الاقتصادي العالمي يجب أن تبقى سياسة المالية العامة مرنة وداعمة لأنظمة الرعاية الصحية، والأسر، والشركات القادرة على الاستمرار، والتعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق قدم صندوق النقد الدولي مؤخرا تقريره الدوري (الراصد المالي 2021) لمناقشة ابرز ملامح تطورات المالية العامة على مستوى العالم والافاق المستقبلية لبرامج الدعم والحماية الاجتماعية والتبعات المالية المترتبة على تلك البرامج.

برامج الدعم والاسناد وتراكم الدين العالمي
تفاوت الدعم المالي المقدم من قبل بلدان العالم باختلاف الحاجة والنطاق الذي يغطيه الدعم والحيز المالي المتاح، بما في ذلك فرص الحصول على القروض اللازمة لتمويل النفقات المتزايدة. ورغم دور الدعم المالي المقدم في منع تفاقم الانكماش اقتصادي عالميا وفقدان المزيد من الوظائف، الا ان ارتفاع النفقات، مع انخفاض الإيرادات، زاد من تراكم العجوزات والديون لتبلغ مستويات غير مسبوقة في كافة انحاء العالم. فقد وصل متوسط العجز الكلي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي عام 2020 إلى قرابة (11.7%) بالنسبة للاقتصادات المتقدمة، وقرابة (9.8%) بالنسبة لاقتصادات الأسواق الصاعدة، و قرابة (5.5%) بالنسبة للبلدان النامية منخفضة الدخل، بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي. وكانت الاسباب الرئيسة وراء ارتفاع العجز في الاقتصادات المتقدمة وعدد من اقتصادات الأسواق الصاعدة تكمن في زيادة الإنفاق وانخفاض الإيرادات بأحجام متساوية تقريبا، بينما كان السبب الرئيسي في انهيار الإيرادات لدى العديد من اقتصادات الأسواق الصاعدة ومعظم البلدان النامية منخفضة الدخل يكمن في انهيار الإيرادات العامة نتيجة الهبوط الحاد في النشاط الاقتصادي.

ويتوقع صندوق النقد الدولي ان ينكمش عجز الموازنات العامة في معظم البلدان في عام 2021 مع انقضاء أجل الدعم المرتبط بالجائحة أو انحساره، وحدوث بعض التعافي في الإيرادات العامة، وانخفاض عدد طلبات الحصول على إعانات البطالة. ويقدر الصندوق متوسط الدين العام العالمي بنسبة (97%) من إجمالي الناتج المحلي في عام 2020. ومن ويتوقع أن يستقر الى قرابة (99%) من إجمالي الناتج المحلي في عام 2021. مع ذلك، ورغم ارتفاع الدين العام، الا إن متوسط مدفوعات الفائدة أقل بوجه عام في الاقتصادات المتقدمة وكثير من الأسواق الصاعدة، نظرا للانخفاض الاتجاهي في أسعار الفائدة السوقية بسبب الادوار التي لعبتها البنوك المركزية في تيسير السياسة النقدية لدعم برامج التحفيز المالي والاقتصادي. فقد قامت البنوك المركزية بخفض أسعار الفائدة الأساسية وشراء السندات الحكومية، مما يسر استجابات المالية العامة للجائحة. أما بالنسبة للبلدان منخفضة الدخل، فإن تمويل عجوزاتها الكبيرة لا يزال أمرا صعبا، نظرا لمحدودية قدرتها على النفاذ إلى السوق وضعف امكانية تعبئة الايرادات على المدى القصير. وتحتاج هذه البلدان إلى مساعدات من خلال المنح أو التمويل الميسر أو في بعض الحالات إعادة هيكلة الديون.

وعلى المدى المتوسط، من المتوقع أن تنكمش عجوزات المالية العامة مع زيادة وتيرة التعافي واستئناف إجراءات الضبط المالي. ونتيجة لذلك، يتوقع ان تستقر نسب الدين إلى إجمالي الناتج المحلي أو تنخفض في معظم البلدان، بالرغم من أن الدين العام سيواصل الارتفاع في بضعة بلدان بسبب عوامل عديدة مثل شيخوخة السكان واحتياجات التنمية.

افاق المالية العامة

يرى صندوق النقد الدولي بأن عدم اليقين مرتفع على نحو استثنائي، وكلما طالت مدة الجائحة، زاد التحدي الذي يواجه المالية العامة. فإذا سارت عمليات التطعيم بأسرع من المتوقع، فمن الممكن أن تعجل بوضع نهاية للجائحة، مما يعزز تحصيل الإيرادات ويقلل الحاجة إلى برامج دعم إضافية من المالية العامة. وعلى جانب المخاطر المعاكسة، فإن استمرار الهبوط الاقتصادي لفترة أطول، أو التشديد المفاجئ للأوضاع المالية في ظل ارتفاع مستويات الديون، أو حدوث طفرة في حالات الإفلاس بين الشركات، أو تقلب أسعار السلع الأولية، أو زيادة السخط الاجتماعي، من شأنه كبح التعافي الاقتصادي المتوقع.

وتتضمن أولويات سياسة المالية العامة مواصلة الدعم حسب الحاجة مع استمرار عمليات التطعيم وتعزيز التعافي؛ والتنفيذ العاجل لتدابير المالية العامة اعتمادا على قدرات محسَّنة في مجال تنفيذ المشروعات وإجراءات أكفأ للمشتريات؛ والسعي لتحويل الاقتصاد إلى اقتصاد أخضر ورقمي واحتوائي؛ ومعالجة مواطن الضعف طويلة الأمد في المالية العامة بمجرد أن تترسخ جذور التعافي؛ ووضع استراتيجيات متوسطة الأجل للمالية العامة من أجل إدارة مخاطر المالية العامة والتمويل؛ وتجديد الجهود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ولإنجاز هذه الأولويات يجب القيام بما يلي:

  • توسيع نطاق التعاون العالمي لاحتواء الجائحة، وخاصة تسريع إتاحة اللقاح بتكلفة معقولة لكل البلدان. ومن شأن تحقيق نمو اقتصادي أقوى أن يدر إيرادات ضريبية إضافية تتجاوز التريليون دولار في الاقتصادات المتقدمة، على أساس تراكمي، بحلول عام 2025 ، ويوفر على المالية العامة تكلفة تدابير دعم تعادل تريليونات الدولارات الأخرى. ومن ثم، فإن توفير اللقاح سيغطي تكلفته وزيادة، مما يحقق قيمة ممتازة للمال العام المستثمَر في زيادة إنتاج اللقاح وتوزيعه عالميا.
  • تحسين استهداف التدابير ومواءمتها بالتناسب مع القدرات الإدارية للبلدان المعنية حتى يمكن الحفاظ على الدعم المالي طوال الأزمة نظرا لما يكتنف التعافي الاقتصادي من عدم يقين وتباين. وفي ضوء الانخفاض السائد في أسعار الفائدة، يمكن أن يتحسن النمو العالمي إذا بادرت البلدان التي تمتلك حيزا ماليا كافيا بإعطاء دفعة متزامنة للاستثمارات العامة الخضراء.
  • ينبغي لصناع السياسات الموازنة بين المخاطر الناشئة عن الدين العام والخاص الكبير والمتنامي وبين المخاطر الناشئة عن التعجل في إلغاء الدعم المقدم من المالية العامة، مما قد يبطئ تعاف الاقتصاد العالمي. ويمكن الاعتماد على سياسات المالية العامة متوسطة الأجل في تحقيق هذا التوازن، مما يهيئ المسار لإعادة بناء هوامش الأمان المالي بوتيرة تتحدد حسب تحقيق التعافي الاقتصادي المنشود. كما يمكن دعم هذا الجهد عبر تحسين تصميم القواعد المالية أو إعادة معايرة حدودها لضمان سير التعديلات في مسار موثوق كأجراء إصلاحات ضريبية في المستقبل وتعزيز  شفافية المالية العامة وممارسات الحوكمة من اجل مساعدة الاقتصادات على تحقيق الاستفادة القصوى من الدعم المالي.
  •    لأجل تلبية احتياجات التمويل المرتبطة بالجائحة، يمكن أن ينظر صناع السياسات في تقديم مساهمة مؤقتة للتعافي من كوفيد-19، مثل تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، وإحياء الجهود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومن الضروري إجراء إصلاحات ضريبية محلية ودولية، خاصة مع اكتساب التعافي زخما متزايدا.