الجائحة وتردي الاسواق المالية

الجائحة وتردي الاسواق المالية

بقلــــــــم أ.د.حمزة محمود شمخي


لم يشهد التاريخ الاقتصادي إنهيارا مثل ماشهدته  اسواق المال العالمية ،فبعد كل انهيار يحصل انهيار رغم حزم المعافات التي تقدم للاسواق،والشواهد التاريخية كثيرة بدءا من الكساد العالمي عام 1929 وصولا الى ما يعرف بالذعر المالي عام 1938 مرورا بما يسمى بالاثنين الاسود عام1987 ومن ثم ازمة الفقاعة عام 2008 وما بينها من ازمات اخرى. ورغم ان اسواق المال لازالت تعاني من نتائج إنهيار أزمة الفقاعة رغم ما ضخ لها من اموال المعافات لنصدم بالانهيار الذي سببته كورونا.فلحظة انتشارها اصدمت الجائحة بورصة العالم العملاقة(وول ستريت)وجعلتها تمر بأسوأ إسبوع في تاريخها فهي لا(تشبه أي شيء تعاملنا معه في حياتنا).
ويؤكد بعض خبراء الاسواق المالية إن(المخضرمين الذين حضروا أزمة الرهن العقاري عام 2008 لم يشهدوا) إنهيار مثل ما حدث.ففي النصف الاول من شهراذار ومع ظهور الحالات الأولى لكورونا في أوروبا وامريكا،حصلت حالة من الذعر العام (تجاوز خلالها مؤشر الخوف VIX (مؤشر تقلبات الخيارات لدى 500 S&P ) رقمه التاريخية الأعلى لعام 2008، مسجلا رقما قياسيا جديدا عند 82.69 نقطة في 16 آذار،حيث تعرض داو جونز من أسوأ جلسة له منذ انهياره عام 1987، ليسقط بنسبة 12%). ولكونها جائحة غير تقليدية فان تقييم مخاطرها يعد(شائكا بشكل خاص لأن معرفتنا الموضوعية بالفيروس لا تزال تتطور ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم).
ورغم مروم ست أشهر على الجائحة ،كان لا بد للبنوك المركزية أن تعمل بشكل جماعي،لتجنب إنهيار النظام المالي العالمي من خلال ما تقدمه من حزم التعافي،وذلك باستمرار اعتمادها على إستراتيجية تقليدية وهي خفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو.ويرى بعض الاقتصاديين أن(خفض الفائدة لن تساعد في تشجيع إنفاق المستهلكين والشركات)بسبب استمرار الحجر المنزلي وتوقف الشركات وانعدام سلاسل الامداد وغلق الاقتصاد ،ويعلق بعض الماليين من ان (قرارات خفض أسعار الفائدة إلى مستويات صفرية وتوفير اموال رخيصة للمستثمرين لافائدة منها لانه لم يعد لها وعاء استثماري قادر على استيعابها).
يشير صندوق النقد الدولي ان خسارة الاقتصاد العالمي بلغت 9 تريليونات دولار في الربع الاول من عام 2020 وهي(توازي حجم اقتصادي ألمانيا واليابان). وبدراسة للإسكوا،بالتعاون مع اتحاد المصارف العربية،تشير الى إن الأسواق المالية العربية  خسرت 25% من قيمتها فقط في الربع الأول من عام 2020
وفي هونغ كونغ، تراجع مؤشر هانغ سينغ بنسبة 4,4% فيما سجلت بورصة سيدني انخفاضا بنسبة 5,6% وويلينغتون 7,6%، على خلفية إعلان العزل التام في نيوزيلندا)
وفي أوروبا، هيمن التراجع على الأسواق، فخسرت بورصة باريس 4,44% وفرانكفورت 4,40% ولندن 4,79%.
اضافة الى ذلك حذر الصندوق من(وجود مخاطر
كبيرة ونتيجة أسوأ،جراء الضبابية الشديدة حيال مدى قوة التعافي)التي وجهت للاقتصاد، في وقت لجأت فيه اغلب الدول الى تسطيح المنحى من اجل المحافظة على السلامة الصحية.المهم ان الاتجاه العام مضطرب فالحدث ليس سهلا ولا يوجد امل في الانتهاء منه وما بين الامل في التشافي يستمر الاقتصاد العالمي في خطر الكساد.
ان التحذيرات بشأن انهيار مالي دفع الدول الى تحفيز الاقتصاد بحزم معافات منعا للكساد.
وكانت قمة العشرين قد قررت ضخ(5)تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي للحد من تداعيات كورونا والاغلاق الاقتصادي،وفي امريكا اقر مجلس الشيوخ خطة (تاريخية) تبلغ قيمتها ألفي مليار دولار، ورغم كونها خطة انعاش ضخمة،الا انها لا زالت قيد المفوضات .واقر الاتحاد الاوربي خطة إنعاش ضخمة قيمتها 750 مليار يورو والتي سيتم تمويلها للمرة الأولى في تاريخ التكتل بواسطة قرض جماعي.
ورغم خطط الانعاش لهذه الأزمة سيكون تاثيرها (أبطأ بكثير من معظم التوقعات.وسيتباطأ بدرجة أكبر جراء المستوى المرتفع من البطالة ونقص الإنفاق الرأسمالي).
ويعتقد البعض أن(المستثمرين باتوا في حيرة من أمرهم، حيث أن خيار سحب أموالهم من البورصة وتحويلها إلى مراكز أخرى لم يعد مجديا)في ظل الحذر والخوف الذي يقود المستثمرين عبر العالم، لما يشهده الاقتصاد من تعثر وعدم استقرار، واصبحت(الشهية للمخاطرة)مفقودة في ظل عدم السيطرة حتى الآن على فيروس كورونا في العالم (واحتدام التوترات الجيوسياسية بين الصين والغرب)
ورغم كل المحاولات الجادة وحزم التعافي النقدية والمالية،لازال القلق مهيمن على أسواق المال مع تراجع كبير في اغلب البورصات العالمية والخوف هو ان ينهار النظام المالي العالمي.
لقد شوهت كورونا الاقتصاد واتعبته ،فازداد حزن المستثمرين في اسواق المال وفقد الاقتصاد اهم داعم له وهو الاستثمار غير المباشر رغم جرعات التعافي وخطط الانعاش التي قدمت ولم تفلح أغلب أسواق المال في العالم(الخروج من المنطقة الحمراء)فالوضع صعب والآتي أصعب وعلى الجميع الاستعداد لاقتصاد كساد،الا اذا نشط الانفاق الاستهلاكي وتغيرت طرق التعافي.
وهذه مسؤولية وقرار.