تحوّل المعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي: هل يتراجع الدور المكاني للمؤسسات التعليمية؟

اعداد طالب الدكتوراه/ م م عباس عبد العالي كريم

شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولاً جذرياً في طبيعة إنتاج المعرفة وتداولها، غير أن الطفرة المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي أعادت صياغة المعادلة بالكامل. فلم تعد المعلومة حكراً على نخبة أكاديمية أو مؤسسات تعليمية تقليدية، بل أصبحت متاحة بضغطة زر، مدعومة بأنظمة قادرة على التحليل، والتفسير، والتوليد، والتخصيص. هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل سيتلاشى الدور المكاني للمؤسسات التعليمية في المستقبل القريب؟ وهذا السؤال يودي الى تناول الموضوع من خلال خمسة محاور اساسية :-

أولاً: تفكك احتكار المعرفة

تاريخياً، ارتبطت المعرفة بالمكان؛ الجامعة كانت مركز إنتاج العلم، والمكتبة كانت خزانة الوصول إليه، والقاعات الدراسية كانت الفضاء الذي تنتقل فيه الخبرة من الأستاذ إلى الطالب. إلا أن صعود تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب المنصات التعليمية الرقمية، ألغى إلى حدٍّ كبير الحواجز الجغرافية والزمنية. اليوم يستطيع الطالب في أي مكان من العالم أن يصل إلى محاضرات جامعات عريقة، ومقررات تخصصية متقدمة، وأدوات تحليل ذكية، دون الحاجة إلى التواجد المادي في الحرم الجامعي.

الذكاء الاصطناعي لم يكتفِ بتسهيل الوصول إلى المعلومة، بل أصبح شريكاً معرفياً؛ يشرح، ويقارن، ويقترح، ويحلل، ويُكيّف المحتوى وفق مستوى المتعلم واحتياجاته. بذلك انتقلت العملية التعليمية من نموذج “التلقين الجماعي” إلى نموذج “التخصيص الفردي”.

ثانياً: من التعليم المكاني إلى التعليم الشبكي

المؤسسات التعليمية تقليدياً كانت تعتمد على البنية المكانية: قاعات، مختبرات، جداول حضور، وإجراءات إدارية مرتبطة بالموقع الجغرافي. غير أن التعليم الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي أوجد بيئة تعليمية شبكية (Networked Learning Environment) تتجاوز مفهوم المكان.

في هذا السياق، قد يتراجع الدور المكاني للجامعة، لكن من غير المرجح أن يختفي دورها الوظيفي بالكامل. فالجامعة ليست مجرد مكان لتلقي المعرفة، بل هي أيضاً فضاء للتفاعل الاجتماعي، وبناء رأس المال البشري، وصقل المهارات البحثية، وتشكيل الهوية الأكاديمية والمهنية. ما قد يتلاشى هو الاحتكار المكاني، لا الجوهر المؤسسي.

ثالثاً: إعادة تعريف وظيفة المؤسسة التعليمية

بدلاً من أن تكون المؤسسة التعليمية “مصدر المعرفة”، قد تتحول إلى:

– مركز توجيه وإرشاد أكاديمي: يساعد الطالب على تنظيم مساره المعرفي وسط فيض المعلومات.

– حاضنة بحث وابتكار: تركز على إنتاج المعرفة لا استهلاكها.

– جهة اعتماد وضبط جودة: تمنح شهادات قائمة على الكفاءة والمهارة الفعلية، لا على عدد الساعات الدراسية.

– منصة للتفاعل الإنساني: توفر بيئة للنقاش، والعمل الجماعي، وبناء الشبكات المهنية.

بعبارة أخرى، سينتقل التركيز من “أين نتعلم؟” إلى “كيف نتعلم؟” ومن “من يملك المعلومة؟” إلى “من يوظفها بكفاءة؟”.

رابعاً: تحديات المرحلة الانتقالية

رغم الإيجابيات، فإن هذا التحول لا يخلو من تحديات:

– فجوة رقمية قد تعمّق التفاوت بين من يمتلك أدوات الوصول والتقنيات ومن يفتقر إليها.

– إشكالية الموثوقية في ظل تضخم المحتوى وتعدد مصادره.

– أزمة تقييم تتعلق بكيفية قياس التعلم الفعلي في بيئة غير تقليدية.

– تحولات في سوق العمل الأكاديمي قد تؤثر على أدوار المعلمين وأعضاء هيئة التدريس.

خامساً: سيناريو المستقبل القريب

من منظور استشرافي، من غير المتوقع أن تختفي المؤسسات التعليمية في المستقبل القريب، لكن من المرجح أن يعاد تشكيلها جذرياً. قد تتقلص الحاجة إلى الحضور المكاني اليومي، وتزداد أهمية النماذج الهجينة (Hybrid Models)، حيث يجتمع التعلم الرقمي الذكي مع اللقاءات الحضورية ذات القيمة المضافة العالية.

الذكاء الاصطناعي لن يُلغي التعليم المؤسسي، لكنه سيجبره على التطور. المؤسسة التي لا تتكيف مع هذا الواقع الجديد قد تفقد أهميتها، بينما تلك التي توظف التكنولوجيا لإعادة تعريف دورها ستبقى فاعلة ومؤثرة.

الخاتمة

لم تعد المعلومة حكراً على أحد، ولم يعد التعليم مقيداً بجدران مؤسسة أو حدود جغرافية. إلا أن المعرفة الحقيقية لا تقتصر على الوصول إلى البيانات، بل تشمل القدرة على التحليل، والنقد، والإبداع، والتوظيف العملي. وفي هذا الإطار، قد يتراجع الدور المكاني للمؤسسات التعليمية، لكنه لن يختفي ما دامت الحاجة قائمة إلى الإطار المؤسسي الذي ينظم المعرفة، ويضبط جودتها، ويمنحها شرعيتها الأكاديمية والمهنية.

إننا أمام انتقال تاريخي من “اقتصاد المعرفة المتمركز مكانياً” إلى “اقتصاد معرفة شبكي ذكي”، والسؤال لم يعد: هل سيتلاشى التعليم التقليدي؟ بل: كيف سيُعاد تصميمه ليتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي؟