طالبة الدكتوراه: آمنة صبري كريم
يشكّل نظام التقاعد في العراق أحد الركائز الأساسية لمنظومة الحماية الاجتماعية، إذ يوفر دخلاً ثابتاً لشريحة واسعة من المواطنين بعد انتهاء حياتهم الوظيفية. غير أن هذا النظام يواجه اليوم تحديات متراكمة تهدد استدامته المالية على المدى المتوسط والطويل، ما يستدعي تبني رؤية إصلاحية شاملة تقوم على أسس اقتصادية متكاملة.
تعتمد البنية الحالية للنظام التقاعدي العراقي بدرجة كبيرة على مبدأ “الدفع عند الاستحقاق”، حيث تُموّل رواتب المتقاعدين من اشتراكات العاملين الحاليين مع دعم مباشر من الموازنة العامة. ويعمل هذا النموذج بكفاءة عندما تكون نسبة المشتركين مرتفعة مقارنة بعدد المتقاعدين، إلا أنه يصبح عرضة للاختلال عندما تتراجع هذه النسبة أو ترتفع الالتزامات المالية بوتيرة أسرع من الإيرادات. وفي الحالة العراقية، تداخلت عدة عوامل أدت إلى اتساع فجوة التمويل، من أبرزها تضخم الجهاز الحكومي في مراحل سابقة، والتقاعد المبكر، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وشمول شرائح غير مساهمين فعلياً في الصندوق، إضافة إلى محدودية مساهمة القطاع الخاص في توسيع قاعدة الاشتراك.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص السيولة الآني، بل في وجود عجز هيكلي طويل الأجل ناتج عن عدم التوازن بين الالتزامات المستقبلية والموارد المتاحة. فالزيادات الدورية في الرواتب التقاعدية، وإن كانت مبررة اجتماعياً، لم تكن دائماً مصحوبة بحسابات اكتوارية دقيقة تضمن تغطيتها مالياً. كما أن اعتماد النظام على الإيرادات النفطية عبر الموازنة العامة يجعله عرضة لتقلبات أسعار النفط كما موضح في الشكل (1)، وهو ما يضيف بعداً من عدم اليقين إلى استدامته.

الشكل (1) انتقال مخاطر تقلب الإيرادات النفطية إلى تمويل النظام التقاعدي
يضاف إلى ذلك أن إدارة الاستثمارات التقاعدية لم تصل بعد إلى مستوى التنويع والكفاءة المطلوبة لتعظيم العوائد طويلة الأجل. فأموال التقاعد بطبيعتها أموال طويلة الأمد، وينبغي أن تُدار وفق استراتيجية احترافية قائمة على إدارة الموجودات والمطلوبات، وتنويع المحافظ الاستثمارية، وتحقيق توازن مدروس بين العائد والمخاطرة. ضعف هذا الجانب يقلل من قدرة الصندوق على تكوين احتياطيات رأسمالية قادرة على امتصاص الصدمات المستقبلية.
من هنا تبرز الحاجة إلى إصلاح تدريجي ومدروس يرتكز على عدة محاور متكاملة. أول هذه المحاور هو الإصلاح الاكتواري، من خلال إجراء تقييمات دورية دقيقة تُمكّن من إعادة ضبط معادلة المنافع والاشتراكات بما يحقق العدالة بين الأجيال ويحافظ على الاستدامة. ويمكن أن يشمل ذلك إعادة النظر في سن التقاعد بصورة تدريجية وربطه بمتوسط العمر المتوقع، بما ينسجم مع التحولات الديموغرافية. أما المحور الثاني فيتعلق بتوسيع قاعدة التمويل، عبر إدماج القطاع الخاص والعاملين بعقود وأصحاب المهن الحرة في النظام التقاعدي بصورة أوسع كما في الشكل رقم (2)، مما يخفف العبء عن الموازنة العامة ويعزز مبدأ الشمول الاجتماعي. فكلما اتسعت قاعدة المساهمين، زادت قدرة النظام على تحقيق التوازن

الشكل (2) توسيع قاعدة التمويل عبر إدماج القطاع الخاص والعاملين بعقود وأصحاب المهن الحرة في النظام التقاعدي
ويتمثل المحور الثالث في تطوير استراتيجية استثمارية احترافية، تقوم على تنويع الأدوات المالية، والاستثمار في مشاريع إنتاجية طويلة الأجل، مع تعزيز الحوكمة والشفافية في إدارة الموجودات. إن تحسين العوائد الاستثمارية لا يعني السعي وراء المخاطرة المرتفعة، بل يعني إدارة علمية رشيدة تضمن استدامة العائد ضمن مستويات مخاطرة مقبولة.
أما المحور الرابع فيرتبط بتعزيز الحوكمة المؤسسية، من خلال استقلالية الإدارة، والالتزام بالإفصاح الدوري، والفصل بين القرارات السياسية والالتزامات المالية. فاستدامة أي نظام تقاعدي لا تعتمد فقط على المعادلات المالية، بل على الثقة العامة في كفاءة إدارته وعدالة قراراته.
إن الانتقال نحو نظام تقاعد مستدام في العراق لا يعني تقليص الحقوق الاجتماعية، بل إعادة تنظيمها ضمن إطار يضمن استمرارها للأجيال القادمة. فالعدالة الحقيقية بين الأجيال تقتضي ألا تتحمل الأجيال المقبلة أعباء التزامات غير ممولة، كما تقتضي في الوقت نفسه الحفاظ على كرامة المتقاعدين الحاليين.
وعليه، فإن بناء نظام تقاعد مستدام في العراق يتطلب رؤية بعيدة المدى وإرادة إصلاحية حقيقية، تستند إلى التوازن بين البعد الاجتماعي والانضباط المالي. الإصلاح التدريجي القائم على أسس علمية رصينة هو السبيل الأمثل لضمان استقرار النظام، وتعزيز الثقة به، وتحويله من مصدر قلق مالي إلى ركيزة داعمة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.




