You are currently viewing “التأجير التمويلي: هل هو ‘طوق النجاة’ الأخير للقطاع الخاص العراقي؟

“التأجير التمويلي: هل هو ‘طوق النجاة’ الأخير للقطاع الخاص العراقي؟

  بقلم الباحث  :-  م.م علاء محسن مطلق الدعمي

  يعد التأجير التمويلي المسار البديل لشركات الاستثمار لكسر جمود الائتمان وتحريك عجلة الاستثمار في العراق رئة تنفس” جديدة للاقتصاد العراقي,في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق، تبرز الحاجة إلى تطوير أدوات تمويلية مبتكرة قادرة على دعم النشاط الاقتصادي وتعويض محدودية التمويل المصرفي التقليدي. إذ تعاني المنظومة المصرفية من قيود هيكلية متعددة، تشمل ضعف الائتمان الممنوح للقطاع الخاص، ارتفاع مستويات المخاطر، وتفضيل المصارف الاستثمار في أدوات منخفضة المخاطر مثل السندات الحكومية بدلًا من تمويل المشاريع الإنتاجية. وفي هذا السياق، يبرز التأجير التمويلي كأداة فعالة يمكن أن تسهم في تخفيف هذه القيود وتعزيز ديناميكية الاقتصاد.

اذ يُعرف التأجير التمويلي بأنه عقد يسمح للمؤسسات باستخدام موجودات إنتاجية (كالآلات والمعدات) مقابل دفعات دورية، مع إمكانية تملك الأصل في نهاية العقد. ويُعد هذا النوع من التمويل بديلاً مهمًا للقروض المصرفية والرهن العقاري، خاصة في البيئات التي تعاني من تشدد ائتماني أو ضعف في كفاءة النظام المالي. وفي العراق، حيث تواجه الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، صعوبات كبيرة في الحصول على التمويل، يمكن للتأجير التمويلي أن يلعب دورًا محوريًا في سد فجوة التمويل لشركات الاستثمار واصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة للمحافظة على رأس المال .

تكمن أهمية التأجير التمويلي في كونه لا يتطلب ضمانات تقليدية بنفس الصرامة التي تفرضها المصارف، إذ يُعد الأصل المؤجر نفسه ضمانًا للعقد. وهذا ما يقلل من العوائق أمام المستثمرين ويشجعهم على توسيع أعمالهم. كما أن التأجير يسهم في تحسين إدارة التدفقات النقدية للشركات، حيث يتيح لها استخدام الأصول دون الحاجة إلى دفع تكلفتها الكاملة مقدمًا، مما يعزز قدرتها على الاستثمار والنمو.

لذالك يبرز الدور المهم  للتأجير التمويلي في تخفيف القيود المصرفية في العراق

يساهم هذا النظام في تجاوز العقبات التي يفرضها النظام المصرفي التقليدي في العراق من خلال:

يكون بديل للضمانات العينية: يعاني حوالي 95%  من السكان في العراق من استبعادهم عن الاقتراض بسبب اشتراط الضمانات العينية الضخمة. في التأجير التمويلي، يظل “الأصل” نفسه هو الضمان الأساسي، مما يسهل وصول الشركات للتمويل دون الحاجة لرهونات عقارية معقدة.

فرصة لتجاوز تعقيدات الإجراءات: يوفر التأجير التمويلي مرونة أكبر وسرعة في الحصول على الأصول مقارنة بالقروض المصرفية الطويلة الأمد، مما يقلل من فترات الانتظار التي تعطل المشاريع.

يساعد في تحسين السيولة النقدية: يسمح للمنشآت بالحفاظ على سيولتها النقدية لاستخدامها في العمليات التشغيلية بدلاً من تجميدها في شراء الأصول الرأسمالية.

يوفر مزايا ضريبية: تُصنف أقساط التأجير كمصاريف تشغيلية، مما يساعد الشركات في تخفيف العبء الضريبي الإجمالي لان التمويل التأجيري غير خاضع للضريبة وفق معيار IFRS 16

المحافظة على رأس المال من الجمود واستخدامه في تطوير وتوسيع المشاريع الاستثمارية

من جهة أخرى، يؤدي التوسع في التأجير التمويلي إلى تنشيط الطلب على الأصول الرأسمالية، وبالتالي تحفيز الإنتاج الصناعي والتجاري. فعندما تتمكن الشركات من الوصول إلى المعدات والتكنولوجيا الحديثة بسهولة، فإن ذلك ينعكس إيجابًا على الإنتاجية والكفاءة، ويعزز القدرة التنافسية للاقتصاد ككل. كما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر دعم المشاريع الإنتاجية.

أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن التأجير التمويلي يسهم في تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على الجهاز المصرفي وتنويع مستوى الضمانات بدل الاعتماد على الرهون العقارية وغيرها ، وهو ما يعزز الاستقرار المالي. فبدلًا من تركّز المخاطر في النظام المصرفي، يتم توزيعها على مؤسسات مالية أخرى، مما يقلل كثيرا من احتمالات حدوث أزمات مالية. كذلك، يمكن للتأجير أن يدعم جهود الدولة في تحقيق الشمول المالي، من خلال توفير حلول تمويلية لفئات لم تكن قادرة على الوصول إلى الخدمات المصرفية التقليدية.

ولذلك، فإن تفعيل دور التأجير التمويلي في العراق يتطلب مجموعة من الإجراءات، منها تطوير التشريعات الخاصة به، وتوفير حوافز ضريبية للمؤسسات التي تعتمد عليه، إلى جانب نشر الوعي بأهميته بين رجال الأعمال والمستثمرين. كما ينبغي تعزيز التعاون بين المصارف وشركات التأجير، بما يسهم في تكامل الأدوار وتوسيع نطاق التمويل المتاح.

كما يمكن للحكومة أن تلعب دورًا محفزًا من خلال استخدام التأجير التمويلي في تمويل بعض المشاريع العامة، خصوصًا في مجالات البنية التحتية والخدمات، مما يخفف الضغط على الموازنة العامة ويعزز كفاءة الإنفاق. وهذا بدوره يخلق سوقًا أوسع للتأجير، ويشجع القطاع الخاص على الدخول فيه.

في الختام، يمثل التأجير التمويلي رؤية شاملة ومحرك حقيقي نحو نمو اقتصادي مستدام ويعتبر أداة استراتيجية يمكن أن تسهم بشكل فعال في تخفيف القيود المصرفية وتحفيز النشاط الاقتصادي في العراق. غير أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب جهودًا متكاملة من قبل الحكومة، والمؤسسات المالية، والقطاع الخاص، لضمان بناء بيئة داعمة ومستدامة لهذا النوع من التمويل.

و يمثل التأجير التمويلي أداة استراتيجية لتنويع الاستثمارات في العراق، ودعم التنمية والإنتاج، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، إلا أن تفعيل دوره يتطلب تطوير البيئة التشريعية والمصرفية بما يتلاءم مع المعايير الدولية ويعزز ثقة المستثمرين بالنظام المالي في العراق .

ويوضح  الشكل رقم ( 1 ) تطور سوق التمويل التأجيري العالمي

مالفرق بين التاجير التمويلي ونظام البيع بالاقساط

أولًا، يُعرَّف التأجير التمويلي (Leasing) بأنه عقد تقوم بموجبه جهة ممولة (المؤجر) بشراء أصل معين بناءً على طلب العميل (المستأجر)، ثم تأجيره له لفترة زمنية محددة مقابل دفعات دورية، مع إمكانية نقل الملكية في نهاية العقد بشروط معينة. ويُصنف هذا النوع ضمن أدوات التمويل غير التقليدية، حيث تبقى ملكية الأصل قانونيًا للمؤجر طوال مدة العقد. أما البيع بالأقساط فهو عقد بيع تقليدي يتم فيه نقل ملكية السلعة إلى المشتري فور إبرام العقد، مقابل التزامه بسداد الثمن على دفعات زمنية متفق عليها، وغالبًا ما يتضمن هذا النوع من البيوع شرط الاحتفاظ بالملكية كضمان حتى سداد كامل الثمن.

من حيث الطبيعة القانونية، يختلف النظامان بشكل واضح؛ فالتأجير التمويلي يُعد عقد إيجار في جوهره مع عناصر تمويلية، بينما البيع بالأقساط هو عقد بيع مكتمل الأركان. هذا الفرق يؤثر بشكل مباشر على حقوق والتزامات الأطراف. ففي التأجير التمويلي، يتحمل المؤجر المخاطر المرتبطة بملكية الأصل مثل الهلاك أو التلف (ما لم ينص العقد على غير ذلك)، بينما يتحمل المستأجر تكاليف التشغيل والصيانة في أغلب الحالات. أما في البيع بالأقساط، فإن المشتري يتحمل المخاطر بمجرد استلام السلعة، حتى وإن لم يسدد كامل الثمن.

من الناحية المحاسبية، يُعامل التأجير التمويلي غالبًا كتمويل خارج الميزانية (في بعض الأنظمة المحاسبية التقليدية)، رغم أن المعايير الحديثة مثل المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية (IFRS 16) أصبحت تُلزم بإثبات معظم عقود التأجير ضمن الميزانية. في المقابل، يتم تسجيل الأصل في البيع بالأقساط ضمن أصول المشتري مع تسجيل الالتزام المالي كدين عليه. وهذا الاختلاف يؤثر على المؤشرات المالية مثل نسب المديونية والعائد على الأصول.

أما من حيث التكلفة، فقد يكون التأجير التمويلي أكثر مرونة من حيث شروط الدفع، لكنه في كثير من الأحيان يكون أعلى تكلفة على المدى الطويل نتيجة تضمين هامش ربح للمؤجر مقابل تحمل المخاطر وتوفير التمويل. في حين أن البيع بالأقساط قد يكون أقل تكلفة نسبيًا إذا كانت شروط التمويل ميسرة، لكنه يفرض التزامًا مباشرًا على المشتري منذ البداية.

من حيث المرونة، يتميز التأجير التمويلي بإمكانية تحديث أو استبدال الأصل عند انتهاء مدة العقد، وهو ما يجعله خيارًا مناسبًا للأصول سريعة التقادم مثل المعدات التكنولوجية. أما البيع بالأقساط فيمنح المشتري ملكية مباشرة، ما يجعله أكثر ملاءمة للأصول طويلة الأجل مثل العقارات أو السيارات التي يرغب المشتري في الاحتفاظ بها.

فيما يتعلق بالمخاطر، فإن التأجير التمويلي يقلل من عبء المخاطر على المستأجر فيما يخص تقادم الأصل، لكنه يقيّده بشروط تعاقدية قد تكون صارمة، مثل عدم إمكانية إنهاء العقد قبل مدته دون غرامات. أما البيع بالأقساط فيحمل المشتري مخاطر أكبر، خاصة في حالة التعثر في السداد، حيث قد يتعرض لفقدان الأصل أو تحمل غرامات مالية.

خلاصة القول، إن الاختيار بين التأجير التمويلي والبيع بالأقساط يعتمد على طبيعة احتياجات المستخدم، وقدرته المالية، ونوع الأصل محل التمويل. فإذا كان الهدف هو الاستخدام المؤقت مع مرونة في التحديث وتقليل المخاطر، فإن التأجير التمويلي يُعد خيارًا مناسبًا. أما إذا كان الهدف هو التملك النهائي وتحقيق الاستقرار طويل الأجل، فإن البيع بالأقساط يكون الخيار الأفضل. وبالتالي، فإن فهم الفروق الدقيقة بين النظامين يساعد متخذي القرار على اختيار الأداة التمويلية الأنسب وفقًا لظروفهم الاقتصادية والاستراتيجية.

References

1.Brealy, Richard, and Stwart .C. Myares(2001(” Principle of Corporate Finance”, 7ed ,Mc Graw-Hill Inc,U.S.A.   

 2. Brigham , Eugene, and Ehrhardt, Michael,(2005) “Financial Management Theory & Practice” 12 nd ed, Mike Roche publisher.

 3. Brigham , Eugene, and Gapenski, Louis (2003) “Financial Management Theory & Practice”.

4.Bea Hie, V, et(2001), ” Leasing Accounting Reform and Economic Consequence: The Views of Prapares and Users, University of Sterling, http://w.w.w.gogle.com/

5. FASB,SAFAS27,(1979)” Classification of Renewals or Extensions of Existing Sales – Type or Direct Financing Leases” Can Amendment of FASB Statement No 13, http://w.w.w.fasb.org/

6. FASB,SFA 13,(1976) “Accounting for Leasing”, http://w.w.w.fasb.org./